الصفحة التالية 



﴿بسم ربنا العلي الأعلى﴾

"الباب المذكور في بيان أن العباد لن يصلوا إلى شاطئ بحر العرفان إلا
بالانقطاع الصرف عن كل من في السموات والأرض. قدسوا
أنفسكم يا أهل الأرض لعل تصلن إلى المقام الذي
قدر الله لكم وتدخلن في سرادق
جعله الله في سمآء البيان
مرفوعا".

جوهر هذا الباب هو أنه يجب على السالكين سبيل الإيمان والطالبين كؤوس الإيقان أن يطهروا أنفسهم ويقدسوها عن جميع الشؤونات العرضية - يعني ينزهون السمع عن استماع الأقوال، والقلب عن الظنونات المتعلقة بسبحات الجلال، والروح عن التعلق بالأسباب الدنيوية، والعين عن ملاحظة الكلمات الفانية، ويسلكون في هذا السبيل متوكلين على الله ومتوسلين إليه، حتى يصبحن قابلين لتجليات إشراقات شموس العلم والعرفان الإلهي، ومحلا لظهورات فيوضات غيب لا يتناهى. لأن العبد لو أراد أن يجعل أقوال العباد من عالم وجاهل، وأعمالهم وأفعالهم ميزانا لمعرفة الحق وأوليائه فإنه لن يدخل أبدا رضوان معرفة رب العزة، ولن يفوز بعيون علم سلطان الأحدية وحكمته، ولن يرد منزل البقاء، ولن يذوق كأس القرب والرضا.

انظروا إلى الأيام السالفة، كم من العباد من شريف ووضيع، كانوا دائما ينتظرون ظهورات الأحدية في الهياكل القدسية، على شأن كانوا في جميع الأوقات والأزمنة يترصدون وينتظرون، يدعون ويتضرعون، لعل يهب نسيم الرحمة الإلهية، ويطلع جمال الموعود من خلف سرادق الغيب إلى عرصة الظهور. وعندما كانت تنفتح أبواب العناية، ويرتفع غمام المكرمة، وتظهر شمس الغيب عن أفق القدرة، يقوم الجميع على تكذيبها وإنكارها ويحترزون عن لقائها الذي هو عين لقاء الله، كما هو مذكور ومسطور تفصيله في جميع الكتب السماوية.

تدبروا الآن وتفكروا قليلا، لم اعترض العباد من بعد طلبهم وانتظارهم؟! وكان اعتراضهم أيضا بدرجة يعجز اللسان والبيان عن وصفه، ويقصر التقرير والتحرير عن ذكره. فلم يظهر أحد من المظاهر القدسية والمطالع الأحدية إلا وابتلي باعتراض الناس وإنكارهم واحتجاجهم كما قال تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾، وكما قال في موضع آخر ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ وكذلك كانت الكلمات النازلة من غمام القدرة الصمدانية، وسماء العزة الربانية تفوق حد الإحصاء وإحاطة العباد، وإن في سورة هود لكفاية لأولي الأفئدة وأصحاب البصر. فتأملوا قليلا في هذه السورة المباركة وتدبروا فيها بالفطرة الأصلية، حتى تطلعوا قليلا على بدائع أمور الأنبياء ورد كلمات النفي لهم وتكذيبهم إياهم، لعل تكونن سببا لأن يطير الناس من موطن الغفلة النفسانية إلى أوكار الوحدة والمعرفة الإلهية، وتشربن من زلال الحكمة الباقية، وترزقن من أثمار شجرة علم ذي الجلال. هذا هو نصيب الأنفس المجردة من المائدة المنزلة القدسية الباقية.

لو اطلعتم على علة إبتلاء الأنبياء، وسبب اعتراضات العباد على تلك الشموس الهوية، لوقفتم على كثير من أمورهم. كذلك كلما لاحظتم وتفحصتم كثيرا في اعتراضات العباد على مشارق شموس صفات الأحدية، ازددتم إحكاما في دينكم، ورسوخا في أمر الله. لذا نذكر في هذه الألواح بعضا من قصص الأنبياء على سبيل الإجمال، حتى يكون معلوما ومثبوتا أنه قد ورد على مظاهر القدرة ومطالع العزة في جميع الأعصار والقرون، ما يضطرب له القلم ويخجل من ذكره. لعل تصير هذه الأذكار سببا لعدم اضطراب بعض الناس من إعراض العلماء واعتراض جهال العصر، بل ربما يزيدهم هذا إيقانا واطمئنانا.

فمن جملة الأنبياء نوح عليه السلام الذي ناح تسعمائة وخمسين سنة، ودعا العباد إلى وادي الروح الأيمن، وما استجاب له أحد، وفي كل يوم كان يرد منهم على هذا الوجود المبارك من الأذية والإيذاء ما كانوا به يوقنون أنه قد هلك. وكثيرا ما ورد على حضرته من أنواع السخرية والاستهزاء والتعريض. كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبعد حين من الزمن وعد أصحابه وعدا معينا عدة مرات بإنزال النصر عليهم، وفي كل مرة منها كان يحصل البَداء، فأعرض بسبب ظهور البَداء بعض من أصحابه المعدودين، كما هو مثبوت تفصيله في أكثر الكتب المشهورة مما لا بد أنكم قد اطلعتم عليه أو ستطلعون. حتى أنه لم يبق مع حضرته إلا أربعون نفسا أو اثنان وسبعون، كما هو مذكور في الكتب والأخبار، إلى أن صرخ أخيرا من أعماق قلبه بدعائه ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾.

والآن يجب التأمل قليلا. ماذا كان سبب اعتراض العباد واحترازهم إلى هذه الدرجة في ذلك الزمان، ولم لم يخلعوا قميص النفي، ويتحلوا برداء الإثبات ويفوزوا به. وكذلك لماذا حصل البَداء في الوعود الإلهية مما كان سببا في إدبار بعض المقبلين. لذا يجب التأمل كثيرا، حتى تقف على أسرار الأمور الغيبية، وتستنشق رائحة الطيب المعنوي من الفردوس الحقيقي، وتوقن بأن الامتحانات الإلهية لم تزل كانت بين العباد، ولا تزال تكون بينهم، حتى يتبين ويتميز النور من الظلمة، والصدق من الكذب، والحق من الباطل، والهداية من الضلالة، والسعادة من الشقاوة، والشوك من الورد، كما قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُون﴾.

ومن بعد نوح، أشرق جمال هود من مشرق الإبداع، ودعا الناس إلى رضوان القرب من ذي الجلال نحوا من سبعمائة سنة أو يزيد، على حسب اختلاف الأقوال. فكم من البلايا نزلت على حضرته كالغيث الهاطل، حتى صارت كثرة الدعوة سببا لكثرة الإعراض، وشدة الاهتمام علة لشدة

الصفحة التالية